الشيخ محمد هادي معرفة

543

التفسير الأثرى الجامع

بخلاف ما كان أمركم به في الشتاء ؟ قالوا : لا ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : فكذلك تعبّدكم في وقت لصلاح يعلمه بشيء ، ثمّ بعده في وقت آخر لصلاح آخر يعلمه بشيء آخر ، فإذا أطعتم اللّه في الحالين استحققتم ثوابه . وأنزل اللّه : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أي إذا توجّهتم بأمره ، فثمّ الوجه الذي تقصدون منه اللّه وتأملون ثوابه . ثمّ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : يا عباد اللّه ، أنتم كالمرضى ، واللّه ربّ العالمين كالطبيب ، فصلاح المرضى فيما يعلمه الطبيب ويدبّره به ، لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه ، ألا فسلّموا للّه أمره تكونوا من الفائزين . فقيل له ( لأبي محمّد ) : يا ابن رسول اللّه ، فلم أمر بالقبلة الأولى ؟ فقال : لما قال اللّه عز وجلّ : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها وهي بيت المقدس إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ إلّا لنعلم ذلك منه موجودا ، بعد أن علمناه سيوجد ذلك . إنّ هوى أهل مكّة كان في الكعبة ، فأراد اللّه أن يبيّن متّبع محمّد من مخالفه ، باتّباع القبلة التي كرهها ، ومحمّد يأمر بها . ولمّا كان هوى أهل المدينة في بيت المقدس ، أمرهم مخالفتها والتوجّه إلى الكعبة ، ليتبيّن من يوافق محمّدا فيما يكرهه ، فهو مصدّقه وموافقه . ثمّ قال تعالى : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ « 1 » إنّما كان التوجّه إلى بيت المقدس ، في ذلك الوقت كبيرة ، إلّا على من يهدي اللّه ، فعرف أنّ اللّه يتعبّد بخلاف ما يريده المرء ، ليبتلي طاعته في مخالفته هواه » . « 2 » ملحوظة هذه الآية وإن كانت في صياغتها الأولى وسياقتها مع حادث تحويل القبلة ، تستهدف الإجابة على مسائل قد يثيرها المتشكّكون ، حسبما قدّمنا في آية النسخ والإنساء ، وهنا ، كما عرفت . لكن لها واجهة أخرى هي أعمّ يمكن التطلّع منها إلى آفاق أوسع نطاقا ، وبشأن مسائل أخرى

--> ( 1 ) البقرة 2 : 143 . ( 2 ) الوسائل 3 : 175 ؛ الاحتجاج 1 : 44 ؛ البحار 4 : 105 - 107 ، أبواب الصفات ، الباب الثالث .